أحمد بن يحيى العمري

214

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

حتى حملناه ، فقلت في نفسي : أيش هذا الفعل ؟ . ثم مشيت خلف البغل إلى العقيبة ، فجاء إلى دكان الخمّار ، فحلّ الظرف وقلبه ، وإذا به خل ! . فقال له الخمّار : ويحك هذا خل ! . فبكى ، وقال : والله ما كان إلا خمرا من ساعة ، وإنما أنا أعرف العلة ، ثم ربط البغل في الخان ، وعاد إلى الجبل ، وكان الشيخ قد صلى الظهر عند الجسر في مسجد ، فدخل عليه النصراني ، وأسلم ، وصار فقيرا « 1 » . قال أبو المظفر « 2 » : وكان الشيخ شجاعا ، ما يبالي بالرجال ، قلّوا أو كثروا ، وكان قوسه ثمانين رطلا ، وما فاتته غزاة في الشام قطّ . وكان يتمنى الشهادة ، ويلقي نفسه في المهالك . فحكى لي خادمه عبد الصمد : قال : لما دخل العادل إلى بلاد الفرنج ، إلى صافيتا ، قال لي الشيخ ببعلبكّ : انزل إلى عبد الله الثقة ، فاطلب لي بغلته ، قال : فأتيته بها ، فركبها ، وخرجت معه فبتنا في يونين ، وقمنا نصف الليل ، فجئنا المحدثة الفجر ، فقلت له : لا تتكلم فهذا مكمن الفرنج . فرفع صوته وقال : الله أكبر ، فجاوبته الجبال ، فيبست من الفزع ! ، ونزل فصلى الفجر ، وركب ، فطلعت الشمس ، والطير لا يطير في تلك الأرض ، وإذا قد لاح في ناحية حصن الأكراد طلب أبيض ، فظنهم " الأسبتار " « 3 » ، فقال : الله أكبر ، ما أبركك من يوم ! . اليوم أمضي إلى صاحب . وساق إليهم وشهر سيفه ، فقلت في نفسي : شيخ وتحته بغلة ، وبيده سيف ، يسوق إلى طلب فرنج ! . فلما كان بعد لحظة وقربوا ، إذا هم بمائة حمير وحش ، فانكسر قلبه ، وفترت همته ، وجئنا إلى حمص ، فجاء الملك المجاهد أسد الدين ، وقدّم له حصانا من خيله ، فركبه ، ودخل معهم ، وفعل عجائب .

--> ( 1 ) تاريخ الإسلام 44 / 343 . ( 2 ) في المرآة 8 / 615 . ( 3 ) الأسبتار معرّب للفظ " الهسبتياليين " اللاتينية ، وقد أطلق المؤرخون المسلمون هذا الاسم على جمعية فرسان الهسبتاليين ، التي يرجع تأسيسها إلى سنة 1099 ميلادية ، على يد " بليسد جيرارد " بعد استيلاء الصليبيين على بيت المقدس ، وكانت دارها به ، قبل ذلك بزمان طويل مأوى الحجاج والمرضى من المسيحيين . انظر : السلوك ج 1 ج 1 ق 1 / 68 حاشية رقم 4 .